مجمع البحوث الاسلامية
891
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
خصومة بين الزّوجين ، كلّ واحد حسب السّياق . لاحظ هذه الموادّ . 3 - هذه الموادّ المتّصفة ب « جميل » لها علاقة بالصّبر ، إمّا صريحا كما في الثّلاث الأولى ، أو إيماء كالباقية ، فكلّ من الصّفح والسّرح والهجر الجميل يستقي من الصّبر ويبتني عليه . 4 - أنّ سَراحاً جَمِيلًا - من بينها - راجع إلى التّشريع الخاصّ بالمدنيّات ، فجاء مرّتين في سورة الأحزاب المدنيّة . أمّا الآيات الباقية فتحمل فضيلة أخلاقيّة وحسن سلوك مع النّاس في بدو البعثة ، فخصّت بالمكّيّات . 5 - جاء في قصّة يوسف حكاية عن أبيه يعقوب عليهما السّلام حين اشتدّ حزنه وأسفه على يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * مرّتين : مرّة حين جاء إخوة يوسف بقميصه متلطّخا بدم كذب ، ومرّة حين أخبروه باعتقال أخي يوسف عند عزيز مصر ، وابتدأهم فيهما جميعا بقوله : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً * إيماء إلى أنّهم خانوا يوسف ، وعقّبه في الأولى بقوله : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ إيماء إلى أنّهم ليسوا بصادقين في ادّعائهم « اكله الذئب ، » وأنّه متفائل بحياة يوسف ورجوعه إليه ، وفي الثّانية بقوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً تصريحا بما كان متفائلا به من ذي قبل . 6 - اختلفوا في قراءته رفعا ونصبا ، وفي إعرابه رفعا ، فعن ابن عبّاس : « فعليّ صبر جميل » فقدّر الخبر ، وغيره قدّر المبتدأ ، فعن الخليل وأصحابه : « شأني صبر جميل ، أو الّذي أعتقده صبر جميل » ، وعن قطرب : « فصبري صبر جميل » . ويخطر بالبال أنّه اكتفى ب « فصبر جميل » تعجيلا وتركيزا ل ( صبر جميل ) لما ابتلي به ، تسلية لنفسه وتسليما لربّه من دون إضافة مبتدإ أو خبر ، وتنكيره للتّواضع أمام ربّه ، أي ليس لي سوى بضاعة مزجاة ، هي شيء يسير من صبر جميل لا جزع فيه ولا شكوى ، ويعاضده فاء التّفريع وهي للتّرتيب باتّصال ، فتقدير المبتدأ أو الخبر هنا - كما تكلّفه النّحويّون - مخلّ بالبلاغة ونقض للغرض . ولا يقاس هذا ب ( 1 ) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا فإنّه أمر من اللّه نظير غيره ممّا أمر اللّه بالصّبر ، وهذا صبر من يعقوب ، وبين الموقفين بون بعيد ، بل هو - كما قال الفرّاء - نظير فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ * و فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ البقرة 196 ، 229 . وأمّا قراءته نصبا فعن أبيّ بن كعب : ( فصبرا جميلا ) وكأنّها قراءة شاذّة لم يذكرها الطّبريّ . بل ظاهر كلام الزّجّاج : « ويجوز في غير القرآن ( فصبرا جميلا ) » أنّها ليست قراءة أيضا ، بل تفسير ، مع أنّها رويت في الآية الأولى فقط رغم وحدة سياقهما ، فاختلاف القراءة بينهما بعيد . 7 - جاء ( جميلا ) نكرة رويّا للآيات كلّها سوى ( الصّفح الجميل ) في ( 4 ) فجاء معرفة ، فما هو الفارق بينها وبينه ؟ فنقول : أمّا التّنكير فيها فهو موافق لكلام العرب ، لأنّها مفعول مطلق نوعيّ لفعل من مادّتها ، والشّائع في المفعول المطلق التّنكير ، يراد به تنويع الفعل دون عمومه وشموله ولا إبهامه وإجماله ، ولا تحقيره وتقليله ، فليس التّنكير فيها لهذه الأمور بل لمجرّد التّنويع . وأمّا ( الصّفح الجميل ) فهو وإن كان مفعولا مطلقا